حكايات للتفاؤل-محمد خير-التحرير


كنت سأقول لك: مالنا ومال من يربح انتخابات الرئاسة؟ لكنى أود أولا أن أحكى لك هذه الحكاية، وهى حكاية لم تحدث هنا ولم تحدث أمس، ولكن فى زمان ومكان آخرين.

فى أحد صباحات عام 1939، وصلت السفينة سانت لويس إلى ميناء نيويورك، كانت السفينة ممتلئة حتى آخرها بالعائلات اليهودية، أطفال ونساء وشيوخ ورجال وقفوا يتطلعون من فوق أسوار السفينة، ينتظرون الإذن بالدخول بعد أن قطعوا المحيط هربا من أفران ألمانيا النازية، فماذا فعلت أمريكا الديمقراطية العظيمة؟ رفضت دخول اللاجئين اليهود، كانت أمريكا تعيش آنذاك موجة صاخبة من معاداة السامية، بل كان أشهر برنامج إذاعى بعد خطابات الرئيس فرانكلين روزفلت هو برنامج لقسّ متعصب هو «الأب كولنج» الذى كان -حسبما يروى المسرحى الأمريكى آرثر ميلر- كثيرا ما يستشهد بمقولات وزير الدعاية النازية جوبلز! كانت تسيطر على أمريكا وقتها فكرة أن اليهود هم المسؤولون عن الأزمة الاقتصادية الكبرى التى ضربت الغرب نهاية الثلاثينيات، وعلى كل حال فقد استدارت السفينة «سانت لويس» متوجهة إلى كوبا، فإذا بالحكومة الأمريكية تضغط على حكومة كوبا اليمينية، كى لا تستقبل اللاجئين اليهود، وبالفعل لم تستقبل كوبا أكثر من 6 لاجئين فقط، وعادت السفينة أدراجها بأكثر من 900 لاجئ إلى أوروبا لتبحث عن أى مهرب، طافت بالموانى الأوروبية لكن الحكومات الأوروبية «الديمقراطية» لم تستضف سوى العشرات فى بريطانيا وبلجيكا وفرنسا وهولندا، وفى النهاية اضطرت السفينة إلى أن تعود إلى ألمانيا النازية مرة أخرى، حيث اختفى هناك جميع ركابها إلى الأبد!!

قبل أن أخبرك ما علاقة هذه القصة الحزينة بالتفاؤل أو حتى بالانتخابات، أود أن أنتقل معك إلى حافلة ركاب صغيرة فى مدينة مونتجمرى الأمريكية سنة 1958، حيث كانت تجلس سيدة أمريكية سوداء هى روزا باركس، وصعد رجل أبيض إلى الحافلة، فأمر سائق الحافلة المرأة السوداء -كما هى العادة- بأن تقوم من مكانها وتتوجه إلى الخلف، كانت العادة الغريبة أن يصعد الراكب الأسود من الباب الأمامى ليقطع التذكرة، ثم ينزل ليصعد مرة أخرى من الباب الخلفى، حيث المقاعد المخصصة للسود، وعندما تصدت روزا باركس لهذا الإذلال، اتصل السائق بالبوليس الذى اعتقلها بتهمة مخالفة القوانين، لكن موقفها أطلق حركة الحقوق المدنية التى قادها مارتن لوثر كينج، ولم يدعمه فيها سوى 250 ألفا كان منهم 60 ألفا من البيض، انتهت بإصدار قانون الحقوق المدنية الذى حظر التمييز فى الأماكن العامة وأماكن العمل، ثم نال السود حق التصويت فى عام 1965، قبل أن يطلق أحد المتعصبين البيض الرصاص على مارتن لوثر كينج ويقتله فى عام 1968. مات صاحب الصرخة الشهيرة «لدىّ حلم»، وبعد أربعين عاما أصبح باراك أوباما أول رئيس أمريكى من أصل إفريقى، وهو أمر لم يكن ممكنا تصوره سوى فى أفلام هوليوود الخيالية.

والغريب أن فرنسا، صاحبة الثورة العظيمة التى رفعت شعار «الحرية والإخاء والمساواة»، انتظرت أكثر من 150 عاما كى تمنح المرأة الفرنسية الحق فى التصويت بل و«الأهلية للمناصب العامة»، وذلك فى عام 1944، أى بعد قرن كامل من منح الحقوق نفسها للرجل الفرنسى العادى، وظلت نسبة المرأة المنتخبة فى مجلس النواب الفرنسى تتراوح بين خمسة فى المئة، وعشرة فى المئة حتى عام 1993، بل تراوحت طوال الستينيات بين واحد واثنين فى المئة فقط، وقد وصلت فى البرلمان الأخير إلى 19 فى المئة.

لم يكن هذا التمييز فى الدول الديمقراطية سياسيا فقط، بل حتى الحق فى التعليم كان خاضعا للتمييز، لدرجة أن الفيزيائى الأمريكى العظيم ريتشارد فاينمان، عندما أنهى دراسته الثانوية لم يستطع أن يلتحق بأى جامعة أمريكية كبرى بسبب النسبة (الكوتة) الضئيلة التى كانت مخصصة لليهود، واستطاع فى النهاية الالتحاق بمعهد ماساتشوستس للتقنية، ومن هناك بدأ إسهاماته المذهلة فى نظرية الكمّ، حتى أصبح أهم فيزيائى فى التاريخ بعد إسحق نيوتن.

إذن، ما الغرض من سرد هذه القصص؟ الغرض أن لا تتورط فى الإحباط، وأن لا تردد مقولات «مافيش فايدة»، ونظريات «شعوبنا متخلفة وتاريخنا يثبت ذلك» إلخ، حكيت لك قصصا قليلة من «العالم الديمقراطى الحر» لأذكرك بأنهم -حتى فى ظل الديمقراطية- لم يولدوا رائعين متحضرين، بل كانوا حتى وقت قريب جدا يضطهدون الأقليات ويحرمون المرأة حقوقها السياسية والاجتماعية ويمارسون التمييز بأسوأ صوره «ناهيك بفظائع الاستعمار والإبادات الجماعية»، وعلى الرغم من أننا لم نكن مثلهم مهدًا للديمقراطية أو الثورة الصناعية، إلا أننا نبدأ ديمقراطيتنا من مكان أفضل رغم كل المشكلات، وانتصار هذه الثورة، لا علاقة له بمن يربح الانتخابات، بل يعتمد على أن تستمر هذه الانتخابات مرة تلو أخرى مهما كانت نتائجها، فالسبب الوحيد لانتصار الديمقراطية فى العالم، هو أنها تصحح أخطاءها، مهما بدت كبيرة.

Advertisements

Posted on April 5, 2012, in مقالات أعجبتنى. Bookmark the permalink. Leave a comment.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: